الشيخ حسين المظاهري

67

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

لائم ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه واسع عليم » « 1 » فهذه الذّلّة عين العزّة والكرامة . فخفض جناح من كان من الكبراء كرسول اللَّه وأهل بيته عليهم السلام للمؤمنين بل لمن يُعدّ من أصاغرهم عين العزّة بل عدمه بالنسبة إلى الكمّلين يعدّ من الذلّة . وقد روى عن الصّادق عليه السلام أنّه قال : ما من رجل تكبّر أو تجبّر إلّالذلّة وجدها في نفسه « 2 » . نعم إنّ خفض الجناح عند الجبابرة أو فيما يُشمّ منه رائحة المطامع الدنياويّة ونحو ذلك الّذي يكشف عن مهانة النّفس قبيح عقلًا وحرام شرعاً بل التّكبّر عند المتكبّر ممدوح عقلًا وشرعاً ، وهو وإن كان ضدّ التّواضع لكنّه ليس بقبيح كما أنّ التّواضع قد يستعمل في غير محله فيكون قبيحاً إذ هو استعمال الشّيء في غير ما وضع له . فتسوية عالم البلدة نعل خادمه ليست من باب التواضع إذا دلّت على مهانته بين الناس ، وأمّا إذا دلّت على حرمته لخادمه ، فهو تواضعٌ حسن ، كما روى أنّ السلطان أبا الحسن علي بن موسى الرّضا عليه السلام دلك في الحمّام ظهر رجل لم يعرفه ، وأنّ المقدّس الأردبيلي قام بتغسيل ألبسة زوّار سيد الكونين أبي عبداللّه الحسين روحي له الفداء ولمّا عرّفه بعضهم فاعترض عليه أجابه بأنّ التواضع قبال الزوّار فخرٌ لا فخر أشرف منه . ويمكن أن يقال : كلّ مورد يوجب إذلال النّفس فهو حرام وتواضعٌ في غير محلّه ، وكلّ مورد لا يكون كذلك فهو واقعٌ في محلّه ، ومع الوصف هذه الذّلّة غير الذّلّة الّتي تعدّ من الرّذائل وهي مهانة النّفس أي الملكة الّتي تمنع الإنسان أن يرى استعداداته ومعدّاته وما ودّع اللَّه فيه من الكمالات قوّة وفعلًا . فما يترائى من الغزالي من جعله هذه الموارد من تفريط التّواضع ، وتبعه في ذلك غير

--> ( 1 ) - المائدة / 54 ( 2 ) - الكافي ، ج 2 ، ص 312 ، ذيل ح 17